بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)، الكمال -ككل حقيقة تشكيكية ذات مراتب- له درجات، كما أن النور له درجات، وكما أن سائر الوجودات لها درجات ضعيفة وتتصاعد إلى ما لا يتوقف عند حد وما يعبر عنه بما لا نهاية له؛ شدة وعدة ومدة. هنا نتوقف قليلا لنعرج على السيدة زينب الكبرى الصديقة الصغرى(ع)، ومن المعروف أن الخيال يحلق دون حدود، فللإنسان أن يحلق بخياله حيث شاء، ولكن تكون الحقيقة فوق الخيال وأسمى منه أحيانا، ولا يستطيع الخيال عندها أن يصل إلى حرم الحقيقة، وكذلك كانت السيدة زينب(ع) زينة أب، فلنتوقف عند هذه المفردة الواحدة فقط، لنرى كيف لا يستطيع الخيال أن يبلغ عشر معشار ذلك السمو الذي لا يحده حد ولا يتوقف عند حد، وتصوروا معي هنا مثالا بسيطا هو منزل متواضع تزينه وريقات ملونة، هذه الزينة هي من سنخ ذلك المنزل وهناك سنخية وتجانس بين الديكور وبين الكوخ، ولكن هل نستطيع أن نزين قصرا شامخا منيفا بمثل هذه الوريقات؟ لا... لا بد من سنخية بين الديكور والشيء الذي يزين به، تصوروا عظمة سيدنا ومولانا بل مولى الكائنات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)؛ هل لعظمته حدود؟ وهل للخيال أن يحلق حتى إلى سماء عظمته الدنيا؟ لا، وألف لا. السيدة زينب(ع) زينة هذا الأب وكفى به فخرا وكفت لها منقبة فهي زينة هذا العظيم الذي يضيق عنه معنى العظيم، وليست لدينا كلمات تستطيع أن تستشف أو تكشف عن جانب - وإن كان بسيطا - من عظمته. إن الكمال درجات، وأمير المؤمنين ومولى الموحدين علي بن أبي طالب أسد الله الغالب(ع) هو القمة في الكمال، وهذا الكمال هو من النوع اللامتناهي اللايقفي، وللشرح أقول إن هناك اللامتناهي المطلق وهو الله سبحانه وتعالى وهناك الحقائق التي لا تتوقف عند حد كمراتب الأعداد وتسمى اللامتناهي اللايقفي وليست هي بالفعل كالله سبحانه وتعالى لا متناهية في الفعل من جميع الجهات، ومراتب الكمال هي من القضايا اللامتناهية اللايقفية التي لا تتوقف عند حد، فزينة السيدة زينب(ع) لأبيها أمير المؤمنين(ع) زينة لا تتوقف عند حد وهي في حالة صعود وعروج مستمر، وكما إن المزيَّن لا يتوقف كماله عند حد ، فكذلك الزينة هي من القضايا التشكيكية التي لا تقف عند حد، وهذه الليلة ليلة مباركة بهذا المعنى، وهي ليلة حزن وألم وعزاء لمن كانت زينة أبيها ولأتباعها وشيعتها أيضا، وهي مباركة أيضا لأنها تجعلنا ننشدّ إلى السيدة زينب(ع) مرة أخرى ونحاول أن نقتدي ونتأسى بها، وكما قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين(ع) ومولى الموحدين: (ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد)، ونسأل الله أن يوفقنا لنكون ممن يهتدي بهديها ويمتثل لأوامرها ويسير بدربها إنه سميع الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين.