بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، والصلاة والسلام على أشرف المحبوبين وأفضل المرغوبين، حبيبنا وحبيب إله العالمين، العبد المؤيد والرسول المسدد المحمود الأحمد أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، الهداة المهديين، وعلى أصحابه البررة المنتجبين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى بقية الله في الأرضين، وعلى سيدتنا ومولاتنا عقيلة بني هاشم السيدة زينب(ع) التي أقيم هذا الحفل الكريم وهذه الجلسة الطيبة لإحياء أمرها والتوسل بها والاقتداء بها في حياتنا وسلوكنا.
قبل كل شيء أعزيكم بيوم وفاة هذه السيدة الجليلة، وأشكر الأخ الفاضل سيادة الدكتور عصام عباس حيث وفقه الله تبارك وتعالى بأن يقدم للإنسان والإنسانية في "النجمة المحمدية" الغراء هذه البطلة الأسوة، والتي كلما تكلمنا حولها وحول عبقريتها لا نستطيع أن نستقصي إلا شيئا قليلا.

إن مكان الاحتفال ضيق في الظاهر والجمع قليل، ولكنه واسع من الناحية المعنوية والروحية وسع صدور الحاضرين، وبوجودكم أنتم العلماء والمفكرين أرى نفسي بوجه جمع كبير كل واحد منه يساوي الآلاف.
وقد رأيت أنه من الأنسب أن نجلس ونستمع إلى كلام السيدة زينب(ع) وما عانته من المصاعب والمشاكل في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ومواساة أخيها الإمام الحسين(ع)، حيث إن كلامها يحتوي على معاني عظيمة في تحليل التاريخ والمقارنة بين القيم والدوافع التي تحكم الإنسان بشتى أشكالها، وفي كل كلمة من كلامها عبر عظيمة، وإذا ركزنا في تلك الكلمات نستطيع أن نستلهم من نميرها الشيء الكثير الذي يفيدنا في الاعتبار والاتعاظ والاقتداء بهذه الأسوة الكريمة.

لقد أخبر الإمام زين العابدين(ع) عن السيدة زينب(ع) بأنها (عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة) بمعنى أن علمها لم يكن كعلم سائر الناس الذين يحتاجون إلى أستاذ يستقون منه علومهم، فهي ارتقت مدارج عالية من الكمال والتقوى، وكما جاء في الرواية: (ما أخلص عبد لله عز وجل أربعين صباحا إلا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) فقد جرت ينابيع الحكمة من قلب السيدة زينب(ع) إلى لسانها وكانت عالمة وفقيهة وقائدا سياسيا وفيلسوفة.
إننا نستمع إلى كلامها كثيرا في مجالسنا، ولكننا دائما ما نجد كلاما جديدا إذا دققنا وتأملنا جيدا. وقد كان للسيدة زينب(ع) كلام في كل مراحل الحركة الثورية الحسينية منذ بدايتها في مكة المكرمة واستمرارا إلى كربلاء فالشام فالمدينة المنورة. وسألقي الضوء على جانب من مشاركتها في هذه المسيرة باستعراض موقفها أمام يزيد. فعندما وصلت إلى بلاط يزيد كانت مشاعر الانتصار تملأ المكان، لكنها لم تتأثر بهذا الجو فجلست جانبا ولم تسلم على يزيد، فسأل يزيد عن هوية هذه المرأة الجريئة ولم يحصل على إجابة منها، فكرر السؤال إلى أن أجابته إحدى النساء بأن هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله. ثم قامت السيدة زينب(ع) بإلقاء خطبتها الشهيرة أمام يزيد ومن معه ممن كانوا يظنون بأنهم انتصروا ونجحوا في خطتهم اللئيمة، فتلت عليهم الآية الكريمة: (ثم كان جزاء الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون) ثم قالت: (أظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة؟! وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟!) وهذا قانون عند أهل الدنيا الذين غفلوا عن ذكر الله تبارك وتعالى كما يقول القرآن: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن، كلا...)، ثم بينت السيدة زينب(ع) الأثر الذي تتركه هذه الحالة النفسية في الإنسان بقولها: ( فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا فمهلا مهلا...)، وهنا إشارة إلى أن هذا الملك الذي جلست على كرسيه وادعيت أنك سلطان عليه هو سلطاننا وملكنا، (فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول الله تعالى: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين). ثم انتقلت بعد ذلك لبيان الجرم الذي ارتكبه يزيد والذي لا تقره أي شريعة أو سياسة أو فكر في العالم كله فقالت له: (أمن العدل يا ابن الطلقاء...) ونلاحظ أنها اختارت مخاطبته بهذا اللقب دون غيره لتشير إلى نقطتين هامتين على الأقل؛ الأولى إشارة إلى أن هؤلاء الذين تصدوا للملك والحكومة هم الطلقاء الذين لم يؤمنوا برسول الله والإسلام إلا عندما اضطروا إلى ذلك، وعلى ذلك ليس هؤلاء بمؤمنين، كما إن التقييم في صدر الإسلام كان بحسب السبق إلى الإسلام والآية الكريمة تقول: (لا يستوي الذي أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة عند الله) كما كان أصحاب بدر أقوى إيمانا ممن أسلموا بعد بدر فكيف بمن أسلم اضطرارا، والنقطة الثانية أن وجودهم واستمرارهم عائد لعفو رسول الله عنهم وهو القادر حينذاك على سبيهم أو قتلهم إذ قال لهم: (ما ترون أني فاعل بكم؟) فقالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم) فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وهم الآن يجازونه على الإحسان إليهم بهذه الإساءة. تقول السيدة زينب(ع): (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي)، فهذه السياسة لا مثيل لها وحتى أعراف الجاهلية لم تكن لتسمح بمثل هذا الفعل. بعد ذلك تنتقل السيدة زينب(ع) إلى كلام آخر ولحن جديد لنعرف كيف وصل هؤلاء إلى ما هم عليه ولما يمر على وفاة رسول الله نصف قرن فتخطب بمسمع من كبار الناس من وزراء وساسة وسفراء من جميع أنحاء العالم وهنا نعرف مغزى قول الإمام الحسين(ع): (شاء الله أن يراني قتيلا ويراهن سبايا) إذ وصلت رسالته إلى جميع الناس عبر العصور من خلال من سمع خطبها من وجوه القوم وسفراء الدول وأرباب الأديان، وتقول: (وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه بدماء الشهداء وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان؟!) فتذكر بأن يزيد هذا الذي جلس على العرش ليس إلا ابن هند التي لفظت كبد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب في أحد، وذلك حتى لا يغتر الحاضرون به ويحسبوه أمير المؤمنين وخليفة رسول الله والمدافع عن الدين. ثم تقول السيدة زينب(ع) موجهة كلامها إلى يزيد: (ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:

لأهلوا واستهلوا فرحا         ثم قالوا يا يزيد لا تشل

منتحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك!، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقة ذرية محمد(ص) ونجوم أهل الأرض من آل عبد المطلب؟! وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم؟! فلتردن وشيكا مغرما ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت)، هذه هي موعظة السيدة زينب(ع) في جلسة أقيمت لصالح السيدة زينب عوضا عن أن تكون جلسة لتبرير جرائم يزيد. ثم بدأت السيدة زينب(ع) بالدعاء فخاطبت ربها بكل توجه قائلة: (اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فوالله ما فريت إلا جلدك وما حززت إلا لحمك ولتردن على رسول الله(ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ لهم بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، وحسبك بالله حاكما وبمحمد خصيما وبجبرائيل ظهيرا، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا وأضعف جندا). لقد بينت السيدة زينب(ع) كلا الموقفين؛ موقف الحق وموقف الباطل... موقف المظلوم وموقف الظالم. ثم بدأت السيدة زينب باستشراف المستقبل من خلال بيان أن كل ما مروا به يمر ويمضي أما الباقي فهو ما قرره الله تعالى بأن (العاقبة للمتقين) ثم تقول بلسان منتصر مع أنها ثكلى ويزيد جالس على كرسي القدرة: (ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيادي تنطف من دمائنا وهذه الأفواه تتحلب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الفراعل، ولئن اتخذتنا مغنما لتجدننا وشيكا مغرما حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد وإلى الله المشتكى وعليه المعول. فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمدنا ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين) ونشاهد اليوم نتائج كلام السيدة زينب(ع) وتطبيقه العملي، فهي التي نفيت من المدينة المنورة إلى الشام من أجل أن تكون تحت مراقبة يزيد، ومع ذلك تجد اليوم أن ضريحها شامخ في الشام وتحن إليه القلوب فلم يستطع يزيد أن يمحو ذكرها أو يميت وحيها أو يدرك أمدها. ثم ختمت خطبتها بقولها: (الحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته).
أخيرا أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المنتمين إلى أهل بيت نبيه وإلى السيدة زينب(ع) في فكرنا وعملنا وسلوكنا، ويوفقنا لنكون من عددهم ومددهم والطالبين بثأرهم وأنصارهم في الدنيا والآخرة، ويحشرنا معهم، ويجنبنا مسالك أعدائهم، وأجدد شكري لمؤسسي هذا الحفل الكريم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.