النقد  الذاتي سياسياً وثقافياً واجتماعياً

دعا سماحة الشيخ حسن الصفار إلى النقد الذاتي سياسياً وثقافياً واجتماعياً، مؤكداً أن المجتمعات المتحضّرة تنقد نفسها، بينما المتخلفة تنقد غيرها. متطرقاً إلى بواعث النقد الذاتي من إمكانية الخطأ، وجود فرص التقدّم والتطلّع للأفضل، ومواجهة الصدمات والتحديات. موضّحاً أن الإسلام يدعو للنقد الذاتي، لما له من مكاسب كبيرة، وأبرزها كما يقول الإمام علي : ((ثمرة المحاسبة صلاح النفس))، وأشار إلى معوّقات النقد الذاتي على المستوى النفسي والثقافي والسياسي. وأكد أنه ليس هناك حدود أمام النقد الذاتي، فللإنسان أن يُبحر في نقد كل شيء يُحيط به، شريطة أن يكون النقد ضمن الضوابط، فلا ينبغي أن يصل إلى مستوى جلد الذات.

تمهيد

وبدأ سماحة الشيخ الصفار محاضرة الليلة الرابعة من المحرم 1429هـ ببيان تعريف النقد بأنه التمييز، وهو مأخوذٌ من نقد الدراهم، أي فحصها لبيان زائفها من جيّدها. مضيفاً: والنقد الذاتي يعني: فحص الإنسان لواقعه ومراجعته لأفكاره وممارساته لتشخيص الأخطاء ومعالجتها، ولتنمية نقاط القوة. مشيراً إلى أن النقد قد يكون من أطراف خارجية، والأفضل من ذلك أن يتوجّه الإنسان بنفسه لنقد ذاته. مؤكداً أن هذا الكلام ينطبق على واقع الفرد، وعلى واقع الأمة.

وأكد سماحته أن المجتمعات المتحضّرة تنقد نفسها، بينما المتخلفة تنقد غيرها. وأشار إلى كتاب (تنمية التفكير النقدي) لمؤلفه: ستيفن بروكفيلد، أستاذ في جامعة كولومبيا بنيويورك، والذي يدعو فيه لتعليم الطلاب على النقد من مراحل التعليم الأولى، وليس في مراحله العليا فقط.

المحور الأول: بواعث النقد الذاتي ومكاسبه

هناك عدة بواعث تدفع الإنسان باتجاه النقد الذاتي:

إمكانية الخطأ، فقد يخطأ الإنسان بسبب الجهل، ونقص المعرفة، أو بسبب الغفلة، أو بسبب الميول والأهواء. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وعلّق سماحته في هذا الجانب بأن مكمن المشكلة هو أن الناس يؤمنون نظرياً بإمكانية الخطأ، لكنهم في الغالب يرفضون ذلك عملياً، وكما يقول (أدونيس): كل عربي بداخله نبي، فلك أن تتخيل كيف تتعامل مع مجتمع مكوّن من ملايين الأنبياء.

وجود فرص التقدّم والتطلّع للأفضل، وهذه حالة طبيعية، ومسلكٌ عقلائي، إلا أن البعض من المجتمع يتمسك بالمقولة: ليس بالإمكان أفضل مما كان. ولكن هذا التوجه خلاف التعليمات الدينية التي تدعو الإنسان للتقدم وتطوير الذات، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً.

مواجهة الصدمات والتحديات، فالمجتمعات المتحضرة لا تمر أمام التحديات والصدمات مرور الكرام. وأشار إلى موقف الولايات المتحدة الأمريكية في عهد كندي بعد ارتياد الفضاء من قبل الاتحاد السوفياتي، إذ دقوا أجراس الخطر، وأصدروا تقارير بهذا الشأن وأبرزها: الأمة المعرّضة للخطر.، وتشكّلت لجنة لتحديد المشاكل التي تواجه المجتمع الأمريكي ولتطوير التعليم.

وأوضح سماحة الشيخ أن الإسلام يدعو إلى النقد الذاتي، فالله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى، ورسول الله يقول: ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا))، والإمام علي يقول: ((اجعل من نفسك رقيباً على نفسك))، والإمام الكاظم يقول: ((ليس منّا من لم يُحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد منه، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه)).

وأكّد على المكاسب التي يُحققها النقد الذاتي، ومنها: معالجة الأخطاء وتجاوزها، فالإمام علي يقول: ((ثمرة المحاسبة صلاح النفس))، ويقول : ((من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر)). ومن المكاسب: رفع مستوى الإنسان وثقته بنفسه، والنقد أيضاً طريق للتقدم والإبداع.

المحور الثاني: عوائق النقد الذاتي

هناك مجموعة من العوائق التي تحول دون تبلور حالة النقد الذاتي عند الفرد والمجتمع، وهي كما يلي:

العائق النفسي، ومن مظاهره: العجب والغرور والمكابرة والنرجسية والخوف من التغيير. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، ويقول الإمام علي : ((شر الأمور الرضا عن النفس))، ويقول : ((الإعجاب يمنع الازدياد))، ويقول : ((العجب يُفسد العقل)).

العائق الثقافي، ومن مظاهره: اتّساع رقعة المسلّمات، والأفكار التبريرية، واتهام الآخر، والخوف على الهوية.

العائق الاجتماعي، ومن مظاهره: وجود سلطة تمنع النقد للسائد، وثقافة الإرهاب الفكري التي ترفض الرأي الآخر.

المحور الثالث: مجالات النقد الذاتي

ليس هناك حدود أمام النقد الذاتي، فللإنسان أن يُبحر في نقد كل شيء يُحيط به، شريطة أن يكون النقد ضمن الضوابط، فلا ينبغي أن يصل إلى مستوى جلد الذات.

وركّز سماحة الشيخ حديثه على عدة مجالات:

أولاً- المجال السياسي، إذ ينبغي أن يُتاح المجال للنقد في الجانب السياسي لما في ذلك من مصلحة للسلطة ذاتها، وللوطن، والمواطنين. وأكد الشيخ الصفار أن أساليب العهود الماضية من منع النقد بمبرر أنه يُضعف الدولة، أثبت فشله، وتجاوزته الأمم والشعوب، فجديرٌ بالأمة أن تسير وفق هذا المنهج الرصين.

ثانياً- المجال الثقافي، إذ أن بعض المجتمعات تعتبر أن الثقافة السائدة غير قابلة للمراجعة والتصحيح، بدعاوى الخوف على الهوية، بيد أن هذا الأسلوب يكشف ضعف الثقة بالدين، فالدين قوي والنقد يجعله أكثر حصانة.

وأضاف سماحته: وكذلك مراجعة التراث وتنقيحه من الخطأ، فليس كل ما ورد في كتب الحديث يُعتبر صحيحاً، فهذا صحيح البخاري الذي يضم (4000) حديث بعد حذف المكررات، اختارها البخاري من أصل (600) ألف حديث. وأيضاً الكافي الذي يضم (16199) حديثاً، بينما الصحيح منها: (5072) حديثاً فقط. وهذا يدفعنا باتجاه تنقيح التراث.

ثالثاً- المجال الاجتماعي، حيث كبّل المجتمع نفسه بأعراف وتقاليد باتت تُعيق حركة الإنسان في مجتمعنا، ومن ذلك عادات الزواج، والعزاء، ومكبرات الصوت الخارجية في مساجد أهل السنة، وفي مآتم أتباع أهل البيت ، والتي تُسبب في بعض الحالات إيذاءً للآخرين وهذا ما لا يجوّزه الشرع، إضافةً إلى أنه خلافٌ للذوق العام.

وأكد سماحة الشيخ الصفار في ختام محاضرته على ضرورة أن يكون الناس جريئين في نقد العادات والتقاليد الاجتماعية، لا أن يبقى الجميع جبناء عاجزين عن تحريك ساكن في الموضوع. مضيفاً: ليس كل نقد يكون صحيحاً بالضرورة، إنما ينبغي أن يكون ضمن دائرة الحوار والنقاش، وقبول الرأي الآخر، محذّراً من المأزق الذي ستقع فيه الأمة والثمن الباهظ الذي ستدفعه إن هي لم تسلك طريق النقد الذاتي.

والحمد لله رب العالمين