مهرجان النجمة المحمدية الولائي السابع

كلمة سماحة العلامة الشيخ حسين شحادة (لبنان)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المسلمين سيدنا ونبينا وقائدنا وحبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وعلى الشهداء والصالحين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.
السادة العلماء...
أيها الإخوة المؤمنون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
من أي الجهات نقارب المرأة؟
ومن أي الجهات نطل على أميرة الصبر والعنفوان، على سيدة كربلاء وبطلتها الحوراء زينب؟
زينب... والاسم سماوي أي أن السماء هي التي سمت زينب بزينب ولكن من الذي سمى بطولتها؟ من الذي سمى كرامتها؟ من الذي سمى قلبها الكبير الذي احتضن الرسالة كلها؟ من أي نور طلعت زينب في تاريخنا الإسلامي المجيد؟
إن رجلاً أو امرأة عاصر علي ابن أبي طالب ليوم واحد حري به أن يصنع بمصنعه وأن يتخلق بأخلاقه, إن شهراً أو عاماً بصحبة علي من شأنه أن يصنع الأبطال فكيف بنا بزينب التي عاصرت أباها علي بن أبي طالب 53 عاماً، عاشت معه بكل جارحة من جوارحه، وفي كل موقف من مواقفه وفي كل حركة من حركاته لتصنع زينب على عين من السماء وعلى عين من الأرض، على عين أمها و أبيها (ع).
من أي الجهات نطل على السيدة زينب (ع)؟ وما هو الجديد الذي يمكن أن نقدمه في هذا المؤتمر السنوي عن عقيلة بني هاشم (ع)؟
لا أخفي عليكم أيها السادة أنني عندما حاولت أن ألتقط لكم فكرة جديدة أو ضوءاً جديداً ينير كلمتي بهذه الأمسية فتحت كتاب الله سبحانه وتعالى وكانت الآية المباركة التي ألهمت موضوع حديثي لهذا اليوم وسميت الآية بآية زينب, أما لماذا سميتها كذلك فهذا ما سأحاوله وإياكم في قراءة ثانية للآية التي طالما نرددها في مجالسنا وندواتنا ومؤتمراتنا؛ (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) في التفسير القرآني لهذه الآية الكريمة أن الأمانة هي الولاية الإلهية وفي تفسير آخر أن الأمانة هي الإمامة، وأياً يكن المعنى المقصود من دلالة الأمانة فثمة تزاوج و تمازج بين الولاية الإلهية والإمامة الربانية، والسيدة زينب كانت مؤتمنة على السرين؛ سر الولاية الإلهية وسر الإمامة الممتدة في فضاء وسماء هذه الولاية، وهذه الأمانة رغم كثرة ما قيل عن دلالتها عند المفسرين نختصرها بكلمة واحدة هي المسؤولية... إنا عرضنا المسؤولية على الإنسان.
هذه المسؤولية في المفهوم القرآني تستند على حقيقة عظمى هي حقيقة الاستخلاف الرباني على الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة)، وهذا الاستخلاف يستند على حقيقتين: الحقيقة الأولى تكريم الإنسان بوصفة الكائن المركزي على الأرض، والحقيقة الثانية أن هذا الإنسان لم يخلق سدى ولا عبثاً وإنما خلق لغاية مقدسة، (وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون), إذاً ثمة علاقة بين المسؤولية وبين الولاية وبين العبادة.
هذا الاستخلاف في مفهومه القرآني يحدد و يبلور لنا صيغة حضارية عن المسؤولية بمقارنتها مع الفلسفات والأديان الأخرى، وفي الوقت التي تدعو فيه بعض الفلسفات الأخرى إلى أن الإنسان مسؤول عن حقوقه فقط يتقدم القرآن الكريم ليصل بمنطقه الوسطي إلى أن الإنسان المستخلف على هذه الأرض مسؤول عن الحقوق ومسؤول عن الواجبات جميعاً وهي مسؤولية تختلف تماماً عن المسؤولية في الفلسفة الغربية، وتختلف تماماً عن ذهنية المسؤولية في المجتمعات الغربية؛ فهي مسؤولية تتجاوز الفرد ولا يوجد في الإسلام والقرآن الكريم شيء اسمه الفراغ،(وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب)، أي كلما انتهيت من طاعة فابدأ بطاعة جديدة وكلما فرغت من جهاد فابدأ بجهاد جديد وكلما أنجزت شرطاً من شروط عمارة الأرض فابدأ بشرط آخر وابدأ بعمارة أخرى (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه).
إذاً في المنطق الإسلامي تتجاوز المسؤولية الأنا لتلتقي مع المصلحة العليا للأمة لتكون مفتوحة على الآخرين لتخرج من قبضة الذات إلى الآخر لتلتقي مع مصطلح الأمة الوسط، (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، وفي ذلك أعظم أشكال المسؤولية وهي الشهادة ومن ذلك نصرّ على تصحيح المفاهيم المتداولة في علم الاجتماع لتقرر أن الإسلام يعتبر كل مفردات الحياة هي مفردات مسؤولية فالحرية يجب أن تكون مسؤولة والعلم يجب أن يكون مسؤولاً ولذلك نلاحظ أن القرآن الكريم عاب على أولئك الذين لا يوظفون علمهم بقوله سبحانه: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها). ثم حملنا مسؤولية كل جارحة من جوارحنا (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا). هذا العلم، وكلنا نقف مع السيدة زينب العالمة بنص الإمام زين العابدين؛ إن زينب عالمة غير معلَّمة وأنها فهمة غير مفهمة، فما هو المقصود والمعنى من كون السيدة زينب عالمة غير معلمة؟
الاحتمال الأول في كلام الإمام: أن تكون زينب عالمة على غير النمط المألوف لطبيعة استقبال العلم وتلقيه أي أن مصادر المعرفة عند زينب تختلف عن مصادر المعرفة عند غيرها من الناس فزينب تعلمت وتربت بنور القرآن ونور الرسالة فهي عالمة بلا وسيط وبلا وسائط، أما الاحتمال الثاني: إن العلم عادة يبدأ بالسؤال وحالة البحث عن الحقيقة، وثمة حجب وظلمات تكتنف الإنسان الجاهل وتكوّن لديه جدراناً من الجهل تحول بينه وبين المعرفة، والسيدة زينب لم يكن بينها وبين العلم حجاب ولم يكن بينها وبين المعرفة ستار وهي كريمة الذي قال: (سلوني قبل أن تفقدوني) و الذي قال فيه المصطفى محمد (ص): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) إذاً زينب العالمة هي مسؤولة، زينب المؤتمنة على السرين سر الولاية الإلهية وسر الإمامة كانت مسؤولة، وكانت مسؤولة قبل كربلاء وبعدها عن خطرين أساسين منيت بهما الأمة؛ الأول: خطر السياسة الأموية التي أمعنت في ترويج نظرية الجبر تمهيداً لمصادرة أفضل ما في الإنسان من حرية، والثاني: خطر الهزيمة النفسية فالأمة قبل كربلاء كانت تعيش عقدة الخوف والانكسار والقبول بالأمر الواقع حتى لو كان مزوراً ومزيفاً وكان لا بد من زينب ليبقى الحسين وكان لا بد من الحسين ليبقى الإسلام، و زينب في مواجهتها لكلا الخطرين كان لا بد منها أن تصبح ظاهرة في حياتنا وراهننا المعاصر الحديث.
إن أعظم هزيمة تمنى بها الأمة هي الهزيمة النفسية وزينب كانت من أجل أن لا يأتي زمن على أمة محمد تعيش فيه هذه الهزيمة، فالخوف استشرى في عالمنا الإسلامي والمسلمون منقسمون على بعضهم ولا بد من استحضار زينب لنتمرد على هذا الخوف لا سيما وأن المرحلة المقبلة لتحديات صراعنا مع العدو الإسرائيلي لن تكون صراعاً على الأرض بل صراعاً على الهوية والثقافة والقيم والمثل العليا, ثمة فرصة يجب أن لا تضيع عندما تكون زينب أميرتنا وسيدتنا ورايتنا في كل الخنادق و ميادين المواجهة.
لابد من زينب لنتحرر من عقدة الخوف ونتمرد على الهوان والذل الذي نعيش فيه، لقد علمتنا زينب التي لم تكن تملك سلاحاً وقوة كيف أن المسبي بوسعه أن يغير المعادلة شريطة أن يكون داخله حراً والنبضة في قلبه زينبية، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون).
باسم الله...
وباسم محمد...
وباسم أهل البيت...
ما دامت نجمتكم زينب فأنتم الأعلون وأنتم المنتصرون...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.