فضائية الأنوار
تجري حوارا

مع
صاحب النجمة المحمدية
الدكتور عصام عباس
ضمن برنامج
(عاشوراء ... واقع وحياة)

وذلك في في عيادته الطبية الكائنة مقابل مقام السيدة زينب (ع)

أجرى الحوار:
الأستاذ محمد طالب الأديب...
وقام بإخراجه:
الأستاذ محمد علي معاش...

محرم الحرام / 1427هـ

 

الأسئلة

  1. ماذا يعني لك قول الإمام الصادق(ع) " كل يوم عاشوراء"؟

  2. لإحياء ثورة سيد الشهداء(ع) هل يكفي أن نقيم الشعائر ونلبس السواد... دون أن نلتفت إلى إحياء قيم تلك الثورة كـ"نصرة المظلوم ومساعدة الفقراء، ورحمة المساكين والمرضى، وبناء المدارس والجامعات والحدائق... الخ؟

  3. نسمع في عالمنا اليوم من يُشبّه حدثا ما تقع فيه ضحايا عديدة بـ (عاشوراء)... بالرغم من تواتر قول الإمام الحسن (ع) الذي يقول فيه : " لا يوم كيومك يا أبا عبد الله "... ما رأيك بذلك؟

  4. ماذا يعني لك قول الإمام الصادق(ع) كل ارض كربلاء؟

  5. هل ستبقى (كربلاء) حية في النفوس؟ وما أهمية ذلك؟!

  6. هل (البكاء) الذي أشارت إليه العديد من روايات أهل البيت (ع) في عاشوراء من أجل البكاء أم من أجل إحياء الذكرى وتثبيت الحقوق وحفظ الإنسان والهمة في البناء؟

  7. ماذا تعني لك الحرية؟

  8.  أي حرية دعانا الإمام الحسين (ع) إليها؟

  9. هل للحرية حدود؟

  10. هل أصبح الدين عادات وتقاليد خالية من محتواها القيمي الحقيقي عند غالبية المسلمين؟

  11. هل ترى أن للدين آثار حقيقية في حياتنا العملية والاجتماعية والأسرية؟

  12. هل الهدف من الدين العبادة؟ أم العمل من اجل خدمة الإنسان وعمارة الأرض انطلاقا من قيم تلك العبادة؟

  13. من المسؤول عن ضياع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية؟

  14. هل للخطاب الديني (المؤسسات، المنبر، المؤلفات) دور في تكوين بنية فكرية تؤسس لسلوكيات ذكورية ظالمة للمرأة؟

  15. كيف تحصل المرأة على حقوقها دون الخلل في حقوق الرجل والأسرة؟

  16. هل كثرة مشاهد الفساد والإفساد الأخلاقي هو الذي دفع العقل الشعبي لتبني المثل القائل: "من تريد زوجا ينبغي لها بختا (حظا) ومن يريد زوجة ينبغي له 7 بخوت" أو بالعكس؟

  17. هل القوانين الوضعية الموجودة في بلداننا العربية والإسلامية تحمي المرأة بشكل كامل؟

  18. بماذا يحلم الطفل العربي والإسلامي؟

  19. هل يتمتع الطفل في عالمنا العربي والإسلامي بحقوقه الكاملة من رعاية وتربية، ووسائل ترفيه وتأهيل وتنمية، وبناء نفسي ومعنوي وأخلاقي وقيمي وعلمي ومهني واجتماعي؟

  20. ما رأيك في عمالة الأطفال؟ على الطفل والأسرة والمجتمع؟

  21. هل الأخلاق مطلب سهل؟

  22. هل مجتمعاتنا أخلاقية؟

  23. كيف نبني مجتمعا أخلاقيا؟

  24. لماذا يكفّر بعض المسلمين غيرهم من المسلمين؟

  25. لماذا تلجا بعض المدارس الإسلامية إلى الإرهاب المتوحش؟

  26. هل الإرهاب انفعال وسلوك وحركة، أم... دين وفقه؟

  27. هل (الإرهاب) توجه جديد في عالمنا العربي والإسلامي أم قديم؟

  28. هل تميل مجتمعاتنا إلى العنف أكثر، أم إلى اللاعنف؟

  29. كيف يولد الطغاة؟

  30. هل المجتمعات شريكة في ولادة الطغاة ومنتجة لهم؟

  31. كيف نقضي على الطغاة؟

  32. ماذا تعلمنا من كربلاء لمواجهة الطغاة؟

  33. هل تجد أن حقوق الإنسان مضيعة في عالمنا العربي والإسلامي... ما السبب في ذلك؟

  34. يرى علماء تاريخنا أن مشكلة غالبية المسلمين تكمن في فهمهم للتاريخ كعمل مكتوب دون أن يكون لعقل القارئ ووعيه دور يذكر ! ما رأيك؟!

  35. في نفس الوقت الذي يرى فيه بعض المسلمين وغيرهم أن صلح الحسن (ع) استسلاما يرى بعض آخر أن ثورة الحسين تهلكة؟ يا ترى... هل الذي أوصل هؤلاء أو أولئك إلى تلك الاستنتاجات قراءتهم الموضوعية للتاريخ أم أحكام مسبقة لا يريد أصحابها أن يرفضوا ما ورثوه عن أبائهم، كما أنها تصب في تغذية عقدة تدعو إلى دفن كل فضيلة لأهل البيت (ع)؟

  36. ما أثر البطالة على الفرد والمجتمع؟

  37. هل تمتلك دولنا مقومات القضاء على البطالة؟

  38.  هل تمتلك مؤسساتنا الدينية سبيلا للحد من وجود البطالة... وكيف؟!

  39. كيف نتخذ هذا الرمز أو ذاك قدوة؟

  40. هل القدوة ضرورة؟

  41. كيف نقرأ القدوة والأسوة؟

  42. هل اتخاذ القدوة، شرك بالله أم منهج للوصول إلى الله تعالى؟

  43. لماذا هذا التواجد الضخم لجيوش الفقراء والمعوزين في مجتمعاتنا؟

  44. ما تأثير الفقر على الفرد والمجتمع؟

  45. ألا ترى أن هناك تضييعا لكرامة الفقير في بعض المؤسسات التي ترعى وتدعم الفقراء؟

  46. كم تعتقد من الأعمال الخيرية التي تساعد الفقراء وتستهدف إبراز الذات المتبرعة وشهرتها؟!

الأجوبة

1ـ ماذا يعني لك قول الإمام الصادق(ع) " كل يوم عاشوراء"؟

ج:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا خاتم النبيين النبي المؤيد والمصطفى المسدد أبي القاسم محمد وآله الأطهار وإخوته أنبياء الله الأبرار وصحبه المنتجبين الأخيار وبعد :

 للإجابة على هذا السؤال أود أن أفتتح كلامي بكلام سيد عاشوراء إمامنا الحسين (ع) حيث قال: (أيها الناس إن الله تعالى قد خلق الدنيا فجعلها دار فناءٍ وزوال متقلبةً بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرورُ من غرتهُ والشقيُ من فتنتهُ، فلا تغرنكم الدنيا فإنها تقطعُ رجاء من ركن إليها وتخيبُ طمع من طمع فيها...) فبنظري أن الإمام الحسين أراد أن يعطي ببيانه هذا الخطوط العريضة لنهضته المباركة في عاشوراء كي تعيش فينا قدسية عاشوراء وروح عاشوراء وبالتالي سنتعرف على أن عيشنا اليومي يجب أن لا يتخطى هذه النظرة في الحياة الدنيا فلا تغرنا هذه الدنيا فهي دار فناء وزوال، ويجب أن لا نركن إليها ولا نطمع فيها فالعيش يجب أن لا يكون لأجل العيش بل يجب أن يكون عطاء مستمرا وتضحية متفانية من اجل إحقاق كلمة الله ودحض كلمة الباطل والحفاظ على حق الإنسان وكرامته وبالتالي يجب أن تكون هذه المسيرة اليومية هي الغاية المرجوة التي يضعها الإنسان نصب عينيه فيصبح فينا كل يوم عاشوراء أساسا وبرنامجا عمليا يوميا.

 

2ـ لإحياء ثورة سيد الشهداء(ع) هل يكفي أن نقيم الشعائر ونلبس السواد... دون أن نلتفت إلى إحياء قيم تلك الثورة كـ"نصرة المظلوم ومساعدة الفقراء، ورحمة المساكين والمرضى،وبناء المدارس والجامعات والحدائق... الخ؟

ج:

لقد قدَّمت قبل أشهر دراسة تحليلية في منهجية السيدة زينب (ع) وموجودة بين أياديكم في العدد الخامس من مجلتنا النجمة المحمدية ونشرت على مواقع ثقافية إسلامية عديدة في شبكة الانترنيت ومن ضمن فقرات هذه الدراسة أعطيت تعريفا للشعائر الحسينية قلت فيه :

 الشعائر الحسينية:- يجب أن تكون ممارسات وأدوار ونشاطات تذكر بالقيم والمبادئ التي آمن بها الإمام الحسين وثار من أجلها وجعل لها منهجية وسلوكية إصلاحية في أمة جده رسول الله(ص)، فدورنا هو تفعيل الإنسان وتذكيره بهذه القيم وربطه بها لأنها تعطي انعكاسات إيجابية في الحياة.

فالشعائر وسيلة تربط الإنسان بالغاية التي انطلقت من أجلها هذه الشعائر.

وبما أن غاية الإمام الحسين هي إصلاح الانحراف الذي حدث في الأمة بعد مرحلة الخلافة الراشدة، وكان على علم مسبق بما سيحل به وبعياله ولكن الغاية القصوى عنده هي طاعة الله عز وجل وتنفيذ أوامره بتمامها وكمالها، وهذا ما كُشف حتى لأصحاب الحسين أثناء الواقعة والذين كانوا من مِللٍ مختلفة وديانات شتى لكنهم اجتمعوا متوحدين بعد أن صمموا بكامل إرادتهم لنصرة رؤية الإمام الحسين ومبادئه، وتفهموا أنها نصرة الحق ورفع كلمته وعدم التراجع في ذلك وترك مغريات الدنيا، بل حتى إن بعض قادة المعسكر المعادي انضم إلى معسكر الحق (معسكر الإمام الحسين) بكل إرادة وتصميم، فأصبح النصير يشعر بسعادة الموت الذي يكون من أجل رفع كلمة الحق ودحض كلمة الباطل مهما كانت المغريات المقدمة والعقوبات الصارمة.

فيجب أن تكون إقامة الشعائر الحسينية هي الوسيلة التي تذكر بقيم ومبادئ تلك الغاية السامية وذاك الموقف المقدس، وأن نأخذ من دم الحسين عبرة وشفاء، وأن يصبح التراب الذي امتزج فيه هذا الدم المقدس دواء شافيا بإذن الله ومسجدا بين يدي الله تعالى لإنارة البصيرة وكشف طرق الصلاح والإصلاح الذي سعى من أجله الإمام الحسين(ع) وفق مبادئ وأسس ممنهجة ومدروسة تحقق الغاية المرجوة؛

وهي نقل صورة الحدث بكامل جوانبه العقائدي والجهادي والتربوي والتثقيفي والإصلاحي إضافة للجانب المأساوي،

وكل هذه الجوانب تنصب مجتمعة في طاعة الله عز وجل وتوطيد العلاقة والثقة بين الخالق والمخلوق وأن لا يترك جانبا على حساب جانب آخر، فنهضة الإمام الحسين نهضة إصلاح أمة ومسيرة بناء إنسان، فلنسلط الأضواء على كافة هذه الجوانب التي كانت أعمدة تأسيس مؤسسة البناء والإصلاح بعيدا عن المصالح الدنيوية الدنيئة والمكاسب الوقتية الممقوتة.

 

3ـ نسمع في عالمنا اليوم من يُشبّه حدثا ما تقع فيه ضحايا عديدة بـ (عاشوراء)... بالرغم من تواتر قول الإمام الحسن (ع) الذي يقول فيه : " لا يوم كيومك يا أبا عبد الله "... ما رأيك بذلك؟

ج:

 أنا برأيي أن كل قضية نضالية يقع فيها شهداء من اجل تطبيق كلمة الله على الأرض وإجهاض كلمة الباطل هي امتداد لعاشوراء الحسين ولا تقل كرامة ضحايا هذه القضايا عن كرامة شهداء كربلاء.

وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة مهمة هو أن يكون هذا النضال هو من اجل إعلاء كلمة الله كما أسلفت لا لأجل القضايا الدنيوية والمصالح الشخصية أو الحزبية أو السياسية الضيقة التي لا تخدم إلا فئة معينة من اجل طموحات شخصية.

فالإمام الحسين لم يخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا بل خرج لأجل الإصلاح في امة جده رسول الله يوم انقض على السلطة من أراد أن يفشي نظام القهر والاستبداد والتردي والارتداد عن دين الله وذلك بترك كتاب الله وسننه وإذلال عترة رسول الله عليهم الصلاة والسلام أي الانحراف التام عن الزبدة التي وضعها النبي الأكرم في تقويم المجتمع وبناء الدولة والإنسان يوم أوصى بوصيته الشهيرة والمروية بكتب الصحاح والتاريخ (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما) فعندما سن حكام الردة قانون ترك الكتاب وإذلال العترة، دق ناقوس الخطر ونهض الإمام الحسين (ع) بنهضته التي ثبتت أركان الدين الإسلامي الحنيف وهزمت الباطل وفكره وأنصاره ومريديه على مدى العصور وبقي دم الحسين الذي قدم قربانا بين يدي الله عز وجل يهزم الباطل ويدحضه وينصر الحق ويثبته فأي قضية تسير بهذا المستوى وبهذه المنهجية كرامة شهداؤها ككرامة شهداء كربلاء.

 

ماذا يعني لك قول الإمام الصادق(ع) "كل أرض كربلاء"؟

ج:

الإمام الصادق (ع) هو عميد المدرسة الإسلامية التي تفرعت منها مدارس إسلامية مختلفة لم ولن تتعدى منهجية الإمام الصادق التي هي منهجية جده الأكرم سيدنا محمد (ص) فنظرة الإمام الصادق لكربلاء كانت نظرة متعمقة وشاملة لان سيدنا محمد ودينه وعترته لم يرسلوا لفئة من البشر بل أرسلوا رحمة للعالمين ومن هنا تنطبق نبوءة الإمام حول شمولية كربلاء وتطبيق القوانين السماوية على كل أرجاء المعمورة ليس في الحجاز والعراق أو ارض معينة بل إنها ستشمل كل أرجاء الدنيا..

واليوم قضية كربلاء موضوعا وهدفا وسياسة تنشر في كل أنحاء الدنيا فكربلاء في يومنا هذا في أوربا وأمريكا واستراليا وكل بقعة من بقاع الدنيا وتستقطب عامة الناس من كافة الأديان لا بل حتى بعض الأنظمة في تلك البلدان أصبحت متفهمة لفكر كربلاء ومنهجية كربلاء، ولا ندري ماذا ستحدث كربلاء في العالم من تغيرات والتزامات بتلك المسيرة التي بُدأ في نهاية القرن العشرين من انتشارها في كل أرجاء الدنيا وأصبحت المجالس التوجيهية والمؤتمرات والندوات الكربلائية تنتشر في كل بقاع العالم، ونبوءة الإمام الصادق سليل النبي وخليفة الوصي كانت بمكانها أن الأرض كلها سيشملها التطبيق الممنهج لرسالة الإمام الحسين ومسيرته المظفرة.

 

هل ستبقى (كربلاء) حية في النفوس؟ وما أهمية ذلك؟!

ج:

 وهل اختفت على مدى أربعة عشر قرنا لا بل إنها تنمو وتنتشر لأنها ليست فكرة حزبية أو صيغة قبلية بل إنها تطبيق لقوانين سماوية خطها المولى عز وجل وتم إعلانه يوم ولد الإمام الحسين ويوم ولادة السيدة زينب إذ اخبر النبي (ص) بما سيجري عليهما في كربلاء عن طريق الأمين جبرائيل وهذا ماورد في كتب التاريخ واخص هنا مسند الإمام احمد الذي روى تفصيل القضية، ومن هنا كان اهتمامنا هنا في دمشق حول التأكيد بضرورة الاحتفاء بمولد سيدة الشام زينب المقدسة لإرساء دعائم فكر كربلاء ومنهجية كربلاء في عاصمة السيدة زينب، ولم تكن زينب ولن تكون امرأة أسيرة نرأف بحالها كذلك ونبكي عليها وهي التي رفضت هذا المنطق ببيانها يوم خاطبت يزيد ((أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى. أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة؟)) من هنا ستبقى لغة كربلاء ومنطق كربلاء يشع في النفوس وتتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل..

قضية حق تنمو ولا تخبو لأنها كما قلت مسيرة إصلاح أمم وبناء إنسان.

 

6ـ هل (البكاء) الذي أشارت إليه العديد من روايات أهل البيت (ع) في عاشوراء من أجل البكاء أم من أجل إحياء الذكرى وتثبيت الحقوق وحفظ الإنسان والهمة في البناء؟

ج:

من الدراسة التحليلية التي ذكرت فيها إن الجانب المأساوي لا يتمثل بأن نتذكر ما جرى على أهل البيت من ظلامات ونبكيهم كما بكاهم أهل الكوفة ندما أو استغفارا، فثقافة البكاء أسسها أهل الكوفة بعد خيانتهم لسبط رسول الله وتخليهم عن نصرته، والبكاء كان في بيت يزيد ندما وحسرة على ما اقترفت أيدي يزيد وأزلامه فبكته وندبته حسرة وألما بنت يزيد (عاتكة) وزوجته (هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز) وأول مجلس عزاء على الحسين أقيم في قصر يزيد بدمشق.

فالسيدة زينب وعيالات الحسين استمدوا من وصية الإمام الحسين منهجا وصلابة وصبرا وطاعة، فالإمام جمع السيدة زينب والنساء ليلة عاشوراء وقال لهم: (يا أختاه يا أم كلثوم يا فاطمة يا رباب انظرن إذا قتلت فلا تشققن عليّ جيبا ولا تخمشن وجها ولا تقلن هجرا).

لذلك اعتمدت السيدة زينب (ع) في طرح المأساة أسلوبا غايته اجتثاث الظلم والقهر والاستبداد، والقضاء عليه، ومحاسبة مقترفيه ومؤيديه والمتعامين عنه بجهل أو تجاهل، فيجب علينا أن نعلّم أولادنا ونسائنا ورجالنا أن كربلاء الحسين ليست كربلاء بكاء بل البكاء حالة غريزية كلما ذكرنا المصيبة سالت دموعنا رحمة ومودة بمن خصهم الله بقوله تعالى لنبيه الأكرم (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ولا يمكننا أن نرى امة تقتل ابن نبيها،

فببكائنا نعلن رفضنا واستنكارنا للأمة التي انتهكت بقتل الإمام الحسين حرمة الدين ونتمثل قول الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف في زيارة الإمام الحسين : (لعن الله امة قتلتك ولعن امة ظلمتك ولعن امة سمعت بذلك فرضيت به) فالبكاء هنا هو رفض واستنكار وابتعاد عن امة كهذه..

وهنا يجب توجيه رسالة لكل من يصنع سيناريوهات مختلقة لأجل البكاء بأن لا يجعلوا البكاء هدفا في الطرح لان البكاء كما قلت حالة غريزية أساسها المودة والرحمة وقوامها الرفض والاستنكار والبراءة من كل من ساهم في قتل سبط نبينا وكل من سمع بذلك ورضي به.

 

7ـ ماذا تعني لك الحرية؟

ج:

الطاعة المطلقة لله تعالى.. الإخلاص في العبودية لله تعالى وعدم الإشراك في ذلك إضافة لكبح هوى النفس فالنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي وهذا ما يوصلنا إلى الابتعاد عن مالا يرضي الله والتقيد بقرارات البشر التي غالبا ما تكون بعيدة عن قوانين السماء.. ومنها نستخلص استقلالية القرار.. وهذا ما دعا إليه الإمام الحسين عليه السلام بخطابه الموجه لجيش المرتدين (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم ).

 

8ـ أي حرية دعانا الإمام الحسين (ع) إليها؟

ج:

حرية اتخاذ القرار.. والتفريق بين الحق والباطل دون ممارسة أي ضغط لا بالترهيب ولا بالترغيب وإتباع الطريق الذي تشاء... رغم حرص الإمام على إنسانية الإنسان ولو كان عدوا فأفضى الإمام بكل النصائح والتوجيهات السماوية وترك للفرد حرية اتخاذ القرار.

 

9ـ هل للحرية حدود؟

ج:

الله عز وجل خلق الإنسان حرا وجعل ميزان الحرية هي العبودية لله وحده، (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون) فأعطاه كامل الحرية حتى في عبادة الله فلم يقيد المخلوق بأمر ما لكنه أرسل الأنبياء مبشرين ومنذرين (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها )، ومن هنا نرى سماحة الأديان السماوية باقية ما بقي الدهر ونرى أي نظام قمعي مهما مارس من استبداد وإكراه خارج حدود الله فهو إلى زوال ومن هنا تأتي المطالبة بتطبيق أحكام الله عز وجل في نظام أي دولة بعيدا عن التسويف والتحريف والقمع والإذلال. فحدود الحرية بتطبيق تلك الأحكام السماوية.

 

10ـ هل أصبح الدين عادات وتقاليد خالية من محتواها القيمي الحقيقي عند غالبية المسلمين؟

ج:

الدين إصلاح وتقويم وحاجة ملحة للإنسان، فعندما نؤمن بضرورة هذه الحاجة نصبح ملزمين بتنقية العلاقة بيننا وبينها، ولما أصبحت هذه العلاقة نقية نلزم أنفسنا بأصول وقوانين تفرضها هذه العلاقة وتصبح لها قدسية في ذات النفس، ولكل قدسية قيمة حقيقية تفرضها علينا الطبيعة الأخلاقية الملزمة، وحتى لا نفتقد لهذه القيمة يجب علينا الالتزام الحقيقي البناء لا الالتزام فقط بالعادات والتقاليد الجوفاء الخالية من القيم والتي يعتبرها الغالبية للأسف أنها التدين الحقيقي وأنها كافية لبناء العلاقة بين العبد والرب.

 

11ـ هل ترى أن للدين آثار حقيقية في حياتنا العملية والاجتماعية والأسرية؟

ج:

الحياة بدون دين لا قيمة لها وكما أسلفت أن سماحة الأديان السماوية باقية ما بقي الدهر وغيرها إلى زوال، فالقوانين السماوية مفروضة على الخلق ونحن ملزمون بتطبيقها بسلوكنا وأعمالنا وطموحاتنا وتربيتنا وعندما نكون هكذا سنتبرأ من كل من يشذ عن هذا الطريق وان كان اقرب الناس إلينا حرصا على استمرار العلاقة النقية بين العبد والرب.

 

12ـ هل الهدف من الدين العبادة؟ أم العمل من أجل خدمة الإنسان وعمارة الأرض انطلاقا من قيم تلك العبادة؟

ج:

الله عز وجل قال (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون) فالتأكيد على العبادة يفهمه البعض هو الالتزام بالفرائض وكفى وهذا أمر خاطئ جدا..

الالتزام بالفرائض له وجوبيه وتركها معصية لله والعياذ بالله..

لكنها ليست وحدها العبادة.. العمل عبادة، والإخلاص عبادة، قول الحق عبادة، مساعدة الضعفاء عبادة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، وكل أعمال الخير هي عبادة، فهل يعقل أن تصلي الفرائض وتأكل حقوق الناس؟ وان تصوم وتأكل ما حرم الله أكله؟ وأن تزكي وتتعامل بالربا؟

فهذه النقائض عندما يتجنبها الإنسان ستنقي وتُعبّد هذا الطريق بين العبد والرب، ليصبح عملك كصلاتك عبادة، وطعامك كصومك عبادة، وكسبك كزكاتك عبادة، وهذا هو ما رسمه الله عز وجل في قوانينه السماوية التي بشرت بها الأديان.

 

13ـ من المسؤول عن ضياع المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية؟

ج:

الأعراف الاجتماعية الجائرة والمقرونة بالعصبيات الجاهلية المحطّمة والبعيدة عن قوانين السماء ومصداقية الأديان السماوية، لذا تواجه المرأة ثقافة الغرب الممقوتة فتهيج فيها الغريزة المكبوتة وتصبح في حالة ضياع وتهور وانحطاط وتعتبر نفسها مظلومة ومقهورة وسط مجتمع جائر لا يرحم فتخلد إلى راحة البال في ترهات الثقافة الغربية ومتاهاتها وضياعها وانحطاطها.

فلنعط مثلا تطبيقيا واحدا على ذلك "المرأة دمية في بيت زوجها لا يحق لها أية مشاركة اجتماعية تخالط فيها الرجال كالتعليم مثلا" يجب أن تتعلم للصف السادس الابتدائي أو اقل من ذلك بكثير.. فقط تعرف تكتب اسمها وتقرأه.. فقط تتعلم قراءة القرآن.. لأن المدرسة تفسد أخلاق البنت... هل هذا صحيح برأي الإسلام؟

والإسلام الذي أمر الإنسان ذكرا أو أنثى بالقراءة والنبي أمر المسلمين ذكورا وإناثا بالتعلم (اطلب العلم من المهد إلى اللحد) وبيت النبي المقدس عمرته امرأة ذات فكر تجاري حضاري شارك في بناء الدين الإسلامي السيدة خديجة (ع)... وتخرج منه المثقفة الأولى فاطمة الزهراء (ع) وعالمة آل محمد زينب الكبرى (ع)...

وكل هذه الشواهد التي تتجلى صورها أمامنا، ولازلنا حتى اليوم نهم كيف نزوج البنت ونتخلص من عواقبها وكأنها حمل ثقيل على الأسرة والمجتمع، فقد ترمى في زواج غير متكافئ وهنا يصبح المصاب اكبر ونجني نتائج مرهقة للبنت والبيت والمجتمع، فلو كانت المرأة قد عبأت وقتها اليومي لما وجدت إلا ثقافتها الإسلامية البناءة وعمدت على بناء ذاتها وبيتها وأسرتها وتصبح الحياة عندها عمل وأمل وبناء...

 

14ـ هل للخطاب الديني (المؤسسات، المنبر، المؤلفات) دور في تكوين بنية فكرية تؤسس لسلوكيات ذكورية ظالمة للمرأة؟

ج:

وهل اختصت المؤسسة والمنبر والمؤلف بالرجل؟ ونحن نعيش في رحاب امرأة كانت أول مؤسسة تعليمية في الكوفة أيام خلافة والدها الإمام علي (ع) وهي السيدة التي وقفت على المنبر لتواجه الظالمين وترفع كلمة الله وتهد أركان الظلم والضلال، فأ ُلّفت فيها مئات المجلدات إن لم اقل ألاف المجلدات ونعيش هذه الأيام في رحاب نهضة كانت هي بطلتها والقائد الشريك لقائدها وهي السيدة زينب عليها السلام... فأي سلوكية ذكورية ظالمة للمرأة من خلال المؤسسة والمنبر والمؤلف...  المؤسسة والمنبر والمؤلف له دور حضاري بنّاء للسلوكية الأنثوية الرافعة لقيمة المرأة.

 

15ـ كيف تحصل المرأة على حقوقها دون الخلل في حقوق الرجل والأسرة؟

ج:

المرأة بعلمها ومعرفتها الذي يجب أن يكون متلازما بالتزامها الديني والذي هو الأساس في بناء الأخلاق، بهذا كله يفترض أنها هي التي تنصف الرجل والأسرة وتمنحهم حقوقهم، وهذه العلاقة هي شراكة أساسية في مجتمعنا الإسلامي، حيث كان النبي (ص) يشارك السيدة خديجة ويستشيرها في كل الأمور وهو الذي جعل القيمة الكبرى للمرأة يوم حارب الجاهلية باحترامه للمرأة وتقديسه لها ومنع بالقانون السماوي تحريم وأد البنت الذي كان يتبعه الناس في الجاهلية، ووصي النبي كان سباقا في مشاركة الزوجة القضايا الأسرية وحتى القضايا السياسية. فالمرأة هي البنّاء الأول لهذه الحقوق في الأسرة والمجتمع.

 

16ـ هل كثرة مشاهد الفساد والإفساد الأخلاقي هو الذي دفع العقل الشعبي لتبني المثل القائل: من تريد زوجا ينبغي لها بختا (حظا) ومن يريد زوجة ينبغي له 7 بخوت أو بالعكس؟

ج:

الفساد والإفساد الأخلاقي موجود منذ الأزل... ولكن التربية وبناء الأسرة على أسس صالحة متينة تقف بمواجهة هذا الفساد، وبالتالي لا اعتقد أن البنت على عجل في الهرولة نحو أي زواج ولا الشاب.

 

17ـ هل القوانين الوضعية الموجودة في بلداننا العربية والإسلامية تحمي المرأة بشكل كامل؟

ج:

كل القوانين التي تصاغ بعيدا عن القوانين السماوية لا يمكنها أن تحمي أية حقوق لا للمرأة ولا لغير المرأة، ليس اليوم أن تحمى حقوق المرأة بان تعين وزيرة أو سفيرة أو عضو برلمان فهو حماية لحقوق المرأة من جانب معين وأساسي، ولكن على الحكومات أن تحمي حقوق المرأة من المتاجرة بها فالمرأة في عصرنا هذا تشكو من الاضطهاد والحرمان والحروب التي تفقد من خلالها زوجها فتصبح أرملة وفي زمننا ما أكثر الأرامل في بلداننا مما يضطر عدد لا يستهان به من النساء للانجرار إلى الانحراف بأشكال مختلفة وألوان شتى فهنا تقع المسؤولية على الحكومات والمؤسسات الدينية خاصة إذا كانت هذه المؤسسات لها سطوة على السلطات الحاكمة، إضافة إلى أن تُشعر المرأة أنها سيدة في المجتمع وبدونها لا قيمة للمجتمع، وهنا يجب أن نكثر من الندوات والمحاضرات الإعلامية من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وعبر شبكات الانترنيت في زيادة ثقافة المسؤولية لدى المرأة وإنها ليست سلعة تباع وتشترى وهذا ما يقع أيضا على مسؤولية المؤسسات النسائية الاجتماعية والرسمية.

 

18ـ بماذا يحلم الطفل العربي والإسلامي؟

ج:

الطفل بنشأته يحلم برعاية أسرة تمكنه من عيش طفولي هادئ... برعاية بيئة ومجتمع يوجهه إلى طريق الصواب بعيدا عن ترهات الحياة التي ينحرف بها الأطفال لأي سبب كان الفقر العوز عدم الاهتمام الأسري بسبب الفقر والعوز أو بسبب تسيب الآباء والأمهات وانشغالهم بنزواتهم وملذاتهم... بمدرسة نموذجية يتلقى فيها علما وتربية... بإعلام هادف للأطفال من خلال وسائل الأعلام المرئية خاصة والموجهة لحياة أفضل للأطفال تبني طفلا يعرف الصح من الخطأ ووعيا ضد التلفزيونات الموجهة لإفساد الأطفال على انه حضارة مجتمعات راقية.

هذه برأيي الحدود الدنيا لحلم الطفل في دولنا العربية والإسلامية.

 

19ـ هل يتمتع الطفل في عالمنا العربي والإسلامي بحقوقه الكاملة من رعاية وتربية، ووسائل ترفيه وتأهيل وتنمية، وبناء نفسي ومعنوي وأخلاقي وقيمي وعلمي ومهني واجتماعي؟

ج:

حتى نكون منصفين هناك رعاية جزئية منقوصة وليست كاملة، ولكن هذا لا يعني أن المد الثقافي الإسلامي المتطور بسرعة في دولنا العربية سواء من المؤسسات الخاصة والعامة غير موجود، اليوم عندما أقرا كمواطن عراقي دستور الدولة العراقية الجديد وقد استمد بنيانه وشرائعه من كتاب الله عز وجل يهتم برعاية الطفل وحقوق الطفل يغمرني السرور والغبطة والأمنيات الكبيرة لبناء مجتمع متحضر متقدم مبتدأ بحقوق الطفل والشباب والمرأة وكبار السن فاني أتمنى أن أرى ذلك مطبقا على ارض الواقع، وهذا ما ننتظره من الحكومة العراقية القادمة وان تشمل برعايتها الطفل العراقي المهجر والمهاجر الذي فرضت عليه ظروف الهجرة والنفي بسبب اضطهاد النظام المقبور وتحقق له ظرفا وعيشا كريما في غربته ومحاولة توفير الظروف الملائمة لعودته مع آسرته إلى ربوع الوطن ليتعرف على وطنه وأهله من قرب ونتمنى أن يعم رفاه الأطفال ورعايتهم في كل بلداننا العربية والإسلامية.

 

20ـ ما رأيك في عمالة الأطفال؟ على الطفل والأسرة والمجتمع؟

ج:

ما أريده لأطفالي أتمناه لكل طفل، والحقيقة على الأسرة والمجتمع والدولة أن تتضافر جهودهم سوية لتوفير مستلزمات العيش الكريم للأطفال كي لا يضطر أو يجبر الطفل للعمل، فنحن في عصر التقدم العلمي والحضاري، أن يهيأ للطفل ما يتطلبه في إتمام دراسته وتفرغه لذلك، ونركز هنا على وسائل الإعلام بتهيئة البرامج الهادفة والمكثفة للأهل والمجتمع وتحفيز الحكومات على تهيئة ما يحتاجه الأطفال من مستلزمات الدراسة كالدراسة المجانية في مراحل الدراسة كاملة حتى أن يصبح الطفل شابا وعضوا عاملا في المجتمع فالكتاب المجاني والقرطاسية المجانية هذه مهمة الدولة، وتثقيف الأهل على ضرورة إشغال الطفل بتحصيله العلمي، وعدم استعمال الأطفال لكسب العيش والتسول عليهم وهذا أمر تتضافر فيه جهود الأهل والمجتمع والدولة، إضافة لتوعية الأطفال بالمستقبل الواعد من خلال وسائل الإعلام التي يجب أن لا تكون مقتصرة على أفلام الترفيه والتسلية.

 

21ـ هل الأخلاق مطلب سهل؟

ج:

قبل الإسلام كانت البشرية تعيش تحت وطأة القوة والقهر فكانت القوة سيدة الموقف، وكان القهر لغة التعامل، لذلك كانت الحروب مستمرةً بين القبائل المبعثرة رغم صلة النسب التي تربطها. فالقوي هو المعزز، حتى أن واد البنت كان منتشرا لأن البنت تُعتبر نقطة ضعف، في ذلك المجتمع بُعث رسول الله رحمةً للعالمين، وبمحمد دخلت البشرية عهداً جديداً، وأصبحت للإنسان قيمة، وأصبح للعاطفةٍ مكانٌ، وأصبح للوجدان تأثيرٌ على حياة الإنسان، فالإسلام دعا إلى الرحمة، ورسول الله (ص) بسيرته وتعاليمه أراد أن يخلق مجتمعاً متراحما يربطه الود والرحمة ففي قوله تعالى (رحماء بينهم) وأيضا ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) فالرحمة قمة الأخلاق ( وانك لعلى خلق عظيم) فمتى ما توفرت كل مقومات الرحمة أصبحت الأخلاق مطلبا سهلا.

 

22ـ هل مجتمعاتنا أخلاقية؟

ج:

المجتمع الذي تسوده الرحمة والشفقة مؤكد انه مجتمعا أخلاقيا والمجتمعات الأخلاقية هي مجتمعات بناءة يعول عليها الخلق كله فسيدنا محمد غزا القلوب كلها بخلقه ورحمته وإذا كنا متبعيه فمن واجبنا أن نتخلق بخلقه ونستعين برحمته.

 

23ـ كيف نبني مجتمعا أخلاقيا؟

ج:

المجتمع الإسلامي هو أول نموذجٍ قـُدم للإنسانية على أساس منهج الرحمة والتعامل اللطيف فيما بين أفراد المجتمع.

ولكن المؤسف جداً أن المجتمع العربي سريعاً ما عاد إلى طبائع الجاهلية الأولى، وخصوصاً في العهدين الأموي والعباسي، إذ أصبح العنف هو سيد الموقف في تلك العهود، وأصبحت القسوة هي اللغة التي تداولتها هذه الأنظمة. واستمرت الأمة العربية والإسلامية تعيش حالة العنف والعنف المضاد حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه هذا اليوم.

هذه الأمة التي يجب أن تكون الرحمة عنوانها الأول، ومنهج سلوكها، وطريقة ممارسة أبنائها، داخل الأسرة والمجتمع، وعلى الصعيد السياسي، و في مختلف الميادين، لكن للأسف أصبحت الحياة فيها من أقسى ألوان وأشكال الحياة في الأرض. وأصبح العنف هو اللغة السائدة في مجتمعات هذه الأمة، وأصبح العالم يتعامل معنا بنفس اللغة. فالأمة التي لا تحترم نفسها، لا يمكن أن يحترمها العالم أصبح الإرهاب صفةً لهذه الأمة، ولا علاج ولا حل لامتنا إلا أن تعود لنهج رسول الله نهج الرحمة والشفقة والرأفة، الذي طبّقه رسول الله وأهل بيته عليهم السلام بسيرتهم، وعلينا أن نتأسى برسول الله (ص) في مختلف جوانب الحياة العائلية والاجتماعية، لأن المسألة لا ترتبط بالحكومات، والمؤسسات الدينية فحسب، بل إننا كمجتمع مطالبون بالعودة إلى ينابيع الرحمة محمدٍ وأهل بيته الأطهار عليهم السلام. وبذلك نتمكن أن نبني مجتمعا أخلاقيا.

 

24ـ لماذا يكفّر بعض المسلمين غيرهم من المسلمين؟

ج:

أعتقد أن التكفير بعيد عن لغة الإسلام وحتى أن الله عز وجل خاطب نبيه الأكرم (قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما اعبد لكم دينكم ولي دين) فللمسلمين دين وللكافرين دين آخر، فان ثبت أنه يقول الشهادتين ويؤمن باليوم الآخر ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا يمكن لأحد أن يكفر هذه الفئة من الناس، ومن يكفر قوما كهؤلاء يجب أن يُلحق بدين التكفير لأن التكفير له دين وفق قوله تعالى، فإذاً من يكفر مسلما أو صاحب كتاب من الديانات السماوية الأخرى فهو تكفيري، ولا يمكن أن نقول عنه بعض من المسلمين.

 

25ـ لماذا تلجا بعض المدارس الإسلامية إلى الإرهاب المتوحش؟

ج:

ماذا تقصد ببعض المدارس الإسلامية؟

نحن نعرف أن المدرسة المؤسسة للدين الإسلامي الحنيف هي مدرسة سيدنا محمد (ص) والذي وضع أسسا لها وللانتماء إليها بقوله(إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي) فخرجت بعد النبي (ص) مدرسة أهل البيت التي قادت المجتمع الإسلامي باللاعنف وعدم الإكراه ونشرت فكر النبي وما جاء بكتاب الله عز وجل، وتفرعت من هذه المدرسة مدارس لم تتخط حب أهل البيت ومنهجيتهم وكتب التاريخ تذكر ذلك وهي مدارس الأئمة الأربعة اللذين تتلمذوا على يدي عميدَي مدرسة أهل البيت الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام، ولا اعتقد أن هناك مدرسة تعتنق الإسلام وتذهب إلى ما نهى عنه الإسلام في قتل وتدمير المجتمعات، أما أن هناك طوابير من المرتدين يتخذون الإسلام غطاء لأفكارهم التدميرية الشاذة فالإسلام منهم براء لان الدين الإسلامي وكافة الديانات السماوية بعيدة كل البعد عن العنف والقتل والتدمير، وما نشاهده اليوم من عمليات قتل وذبح وانتحار والذي وصفته بالإرهاب المتوحش لا يمت إلى الإسلام بصلة وهذا ما يجب أن يفرق بين المدارس الإسلامية والمدارس الحاقدة والغير متورعة برحمة الإسلام وشفقة الإسلام وغيرة الإسلام على حفظ حياة الإنسان وكرامته وحريته وإنسانيته التي خصه الله تعالى بها.

 

26ـ هل الإرهاب انفعال وسلوك وحركة، أم... دين وفقه؟

ج:

لا دين للإرهاب ولا يستند إلى فقه أو نص وارد...

فقط هو فقد الحياء وفقد الخوف من الله وسلخ الإنسان من إنسانيته فيصبح عديم القيم والمبادئ وبالتالي لا يبالي في أي عمل ولا يؤمن بلقاء الله تعالى ويصبح هو الذي يسن القوانين بمزاجيته ويقتل ويفعل ما يشاء بلا ذمة ولا ضمير لأنه قد فقدهما وقتما انتزع الخوف من الله عز وجل من ذاته.

 

27ـ هل (الإرهاب) توجه جديد في عالمنا العربي والإسلامي أم قديم؟

ج:

قبل الإسلام كان المجتمع العربي يشكل مجتمعا قبليا ونظاما عشائريا وكانت لغة القوة هي التي تسيطر على نظام هذا المجتمع وكانت القسوة هي اللغة السائدة في المجتمع وذكرت هذا الأمر يوم كانت للمجتمع جرأة في وأد البنات لان البنت نقطة ضعف في هذا المجتمع ولم تكن هناك أي التزامات دينية ومعرفية بالله تعالى ولا بالنظم السماوية..

لكن الإسلام جاءنا بكلام الله عز وجل وبرحمة الله سيدنا محمد وعترته الطاهرة من هنا انطلق في المجتمع العربي والإسلامي نظام الرحمة وأصبح المجتمع مجتمعا أخلاقيا يسوده الخلق ومعرفة الله وأصبح الناس رحماء بينهم، لكن بعد وفاة النبي كان هناك انقلابا معدا ومهيأ على فكر الرحمة والموعظة الحسنة(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) وللأسف تاه المجتمع وضاعت الحقيقة...

وأكثر إساءة فاضحة كانت في العهدين الأموي والعباسي اللذين حاربا فكر النبي واعتمدا هجر القران وتعاليمه وطبقا التعاليم التي اختلقاها والتي للأسف بقيت سائدة حتى يومنا هذا فكانت صناعتهم وهاجسهم هو قتل أهل البيت وأصبح بغض أهل البيت عنوانا كبيرا تتوارثه الأجيال وتتغنى به، وعندما يبغض أهل بيت الرحمة تبغض الرحمة وينتشر العنف والإرهاب ويصبح المجتمع مجتمعا إرهابيا فإذا أردنا أن يكف عن مجتمعنا هذا الصنيع المعادي لله ورسوله وهو الإرهاب يجب أن نعود إلى المنبع الصافي (كتاب الله وعترة رسول الله) الذين ما إن تمسكنا بهما لن نضل أبدا وهذا ما أوصى به نبي الرحمة سيدنا محمد (ص).

 

28ـ هل تميل مجتمعاتنا إلى العنف أكثر، أم إلى اللاعنف؟

ج:

كل الأنظمة التي تحكم مجتمعاتنا تسن قوانين لمحاربة الإرهاب.. ونرجو أن تطبق هذه القوانين وان تحكم مجتمعاتنا العربية والإسلامية بمنطق اللاعنف وتمنح الشعوب حريتها وبالتالي تسود الأنظمة الديمقراطية في المجتمع العربي والإسلامي وهذه هي أمنية الشعوب وتطلعاتها.

 

29ـ كيف يولد الطغاة؟

ج:

من رحم وصلب بنيا على أسس الحقد والبغض والجهل والكراهية والعداء لكل ما هو إنساني وحضاري نافع للمجتمع..

 

30ـ هل المجتمعات شريكة في ولادة الطغاة ومنتجة لهم؟

ج:

مجتمع القسوة والعنف يولد هكذا طغاة وكذلك مجتمع التخلف والجهل، وأكثر مجتمع يولد الطغاة هو مجتمع البغض والحقد والكراهية والشحناء، كل هذه المجتمعات أنتجت وتنتج طغاة مارقين لا يعرف بقواميسهم مصطلح الرحمة.

 

31ـ كيف نقضي على الطغاة؟

ج:

بثقافة الرحمة والمودة... وبثقافة الحرص والمسؤولية... وبثقافة المواجهة البناءة وبثقافة اللاعنف... تستطيع أن تهزم اكبر الطغاة.

 

32ـ ماذا تعلمنا من كربلاء لمواجهة الطغاة؟

ج:

تعلم الخلق دروسا في الطاعة والتربية والسلوكية والمنهجية في المثول لإرادة الله تعالى وإحقاق كلمته وكبح إرادة الباطل وإزهاقها إلى غير رجعة، وإن تظاهر الباطل بانتصار مزيف ووقتي يجلب له العار الدائم ويجلب العار كله على من يتّبعه ويروج له بأشكال مختلفة.

من هنا أنشأ الحسين ثقافة التضحية والمقاومة،وأنشأت زينب ثقافة الصبر والحكمة، بأداء مميز وفريد، فأخذ منهما العالم كله: كيف تبني الأمم عزتها وكرامتها وحريتها واستقلالها وديمقراطيتها من أُسُس هذه المدرسة الكونية والمرجعية الإلهية المستمرة الدائمة...

مرجعية تملكت قلوبنا وأرواحنا وحواسنا مذ كنا أجنة في الأرحام فأصبحنا نعيش شعار الحسين وصوت زينب في مراحل حياتنا كلها، فمدرستهما أسست في الأرواح قبل العقول، وتفهمها المتتبع لأسس هذه المرجعية منذ النشأة... دخلت هذه المرجعية إلى الأعماق دون استئذان وتربعت على عروش القلوب دون انتخاب أو تصويت فتذوقنا من خلالها معنى الأمر الإلهي وتعلمنا من منهجيتها كيف يطاع الله،فمرجعية الحسين كانت بنص إلهي(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) ومنها تتالت ذات المرجعية في سلالة الحسين بالأئمة من ولده عليهم السلام التي نصب الله عز وجل السيدة زينب(ع) دون سواها في حمايتها ورعايتها وكفالتها بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) في كربلاء، وليس ذلك لنسبها فحسب وإنما لكفاءتها فكان القرار الإلهي منذ نشأتها بأن تضطلع السيدة زينب(ع) بهذه المهمة التاريخية، فمن ذلك اليوم بذرت في التربة بذرة النقمة على الظلم، وحتمية النهوض لإبعاده والقضاء عليه، ومحاسبة مقترفيه.

فكان خطاب السيدة زينب واحداً من عوامل تحريك التاريخ وتوليد طاقة التغيير اللازمة لإزاحة الواقع المعادي للإنسان... مرجعية لها حول ولها قوة أطاعت الله حق طاعته فانطبق عليها الحديث القدسي : (عبدي أطعني تكن مثلي أو مَثَلي تقل للشيء كن فيكون).

مرجعية مخيرة لا مسيرة تربعت على عروش القلوب وقادت الجماهير بإرادة وحكمة فقلدها المجتمع في حينه وقلدتها الأجيال بانصياع ورضى وقبول على هداية وإدراك وتفهم، وأصبح المتفهم المتذوق لطعم الهداية ملزما نفسه بهذا التقليد لأنه حرية للنفوس وديمقراطية في امتلاك القرار وصوابه والتزام حقيقي بشرائع السماء يتذوق من خلاله طعم العبودية لله دون سواه، وتحرير النفوس من عبادة الخلق والمخلوقات، وعدم الانسياق في ترهات التقييد والتحجيم لفكر الإنسان وانضوائه في حلقة مفرغة يتوه فيها عن رشده ويصبح في حالات من الشكوك والظنون والوسواس وبالتالي يهوي إلى الضياع والانحراف الفكري والعزلة بعيدا عن أي حركة سوى تلبية متطلباته وأموره المعاشية من مأكل ومشرب وكل ما يتعلق بالذات فقط...

فقراءة نضال الحسين وزينب قراءة واعية تمنح النفوس دروسا في النضال والكفاح لتحريرها من العبودية لغير الله عز وجل وتطهير الذات من أي تلوث خارجي يبعد فيه العبد عن المعبود وهذا ما أكده الإمام الحسين(ع) بقوله لجيش الردة: (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم).  هذه هي الدروس التي أعطتها كربلاء في مواجهة الطغاة.

 

33ـ هل تجد أن حقوق الإنسان مضيعة في عالمنا العربي والإسلامي... ما السبب في ذلك؟

ج:

عند وضع قانون ينشا وفق إرادة الشعوب ويلزم الجميع تطبيقا ومسيرة على أساس الدستور الإلهي والتعاليم السماوية العادلة والمنصفة لا وفق رغبة شخص أو جماعة معينة أو حزب ما، بالتأكيد ستتوفر كل مقومات منح الإنسان حقوقه..  

نحن ننتمي لأمة ذات جذور أصيلة اعتنقت الإسلام عقيدة ومبدأ ورسالة فيجب علينا التطبيق الفعلي لتلك المبادئ وما ورد في نصوص تلك الرسالة وهي الضمانة في عدم تضييع حقوق الإنسان العربي والمسلم في الكرامة والحرية والحياة الكريمة.

 

34ـ يرى علماء تاريخنا أن مشكلة غالبية المسلمين تكمن في فهمهم للتاريخ كعمل مكتوب دون أن يكون لعقل القارئ ووعيه دور يذكر ! ما رأيك؟!

ج:

في مهرجاننا مهرجان النجمة المحمدية السنوي الولائي الثقافي الرابع عشر الذي نعقده في العاصمة الزينبية دمشق بمناسبة الذكرى العطرة لولادة السيدة زينب(ع) قلت في كلمة الافتتاح: قراءة التاريخ بدقة ووعي ليست مهمة المثقف أو رجل الدين فحسب بل هي مهمة ُ كلِ إنسان مهما شغلته الدنيا بهمومها ومتاعبها، لأن في القراءة وصفة طبية نفسية تبعد الكرب وتعدل المزاج.

وقراءة التاريخ تقرب الإنسان من الواقع الذي قد يفتقده في المراحل الحرجة والظروف الصعبة. وتاريخ أمتنا حافل بكثير من الأحداث والشخصيات التي تبوأت قيادة الأرواح وتملكت العقول والطاقات والتي تعد مدارس للأجيال ومؤسسات بناء مجتمعات قد تخلو من التلوث الفكري والخلل العقائدي.

فخلق المولى نور الأنبياء والقديسين الذين أنجبوا من ذرياتهم أنوارا حاول ويحاول أعداء الإنسانية أن يطفئوها ولكن الله أبى إلا أن يُتمَّ نوره ويبقى هذا النور متوارثا جيلا بعد جيل مواجها ظلام الجهل وعنجهية الأشقياء بنور العلم ومصداقية الأولياء فكان العلم نورا والجهل ظلاما.

والأمة التي لم تقرأ تاريخها قراءة واعية يتفشى جهل أشقيائها في صفوف مجتمعاتها وتصبح أمة مهمشة بين أمم المعمورة لا حول لها ولا قوة.

من هنا تصرف الأموال الطائلة من حكومات الضلال لإفشاء الجهل ونشر ثقافاته بأشكال مختلفة وإبعاد المجتمعات عن بصيص نور العلم ونهيها عن قراءة التاريخ باعتباره مرحلة مرت وانقضت وإشغالها بالترف والمجون وتوظيف التكنولوجيا في خدمة هذه الأغراض والخوف من الماضي وإن كان مشرفا، والذي يعد دروسا توجيهية وطرقا تنويرية في زمن يعج بأحداث الانحراف وغطرسة القوة وتشويه الفكر ونشر ثقافة اللامبالاة وما عليك إلا أن تعيش يومك وكأن الدنيا هي أكل وشرب وتكديس.

وكذلك تعمل مرجعيات الضلال التي تتحدث بالدين والمبادئ والقيم والتي تجتمع على نشر ثقافة الحقد والبغض والكراهية وبث سموم الطائفية التي تتنكر لكافة الأديان السماوية وتكفِّر الآخرين وتهدر دمائهم دون ذنب بحماقات متنوعة تنتشر في كل بقاع المعمورة.

 

35ـ في نفس الوقت الذي يرى فيه بعض المسلمين وغيرهم أن صلح الحسن (ع) استسلاما يرى بعض آخر أن ثورة الحسين تهلكة، يا ترى... هل الذي أوصل هؤلاء أو أولئك إلى تلك الاستنتاجات قراءتهم الموضوعية للتاريخ؟ أم أحكام مسبقة لا يريد أصحابها أن يرفضوا ما ورثوه عن أبائهم؟ كما أنها تصب في تغذية عقدة تدعو إلى دفن كل فضيلة لأهل البيت(ع)؟

ج:

أعتقد أن الجواب السابق يعطي جوابا شافيا ووافيا لهذا السؤال، فلا صلح الحسن استسلام ولا ثورة الحسين تهلكة، فالإمام الحسن واجه استبداد قادة الردة وحتى لا يتيح لهؤلاء بإفشاء الكفر ثانية وترك الدين الإسلامي بالقهر والترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى، عقد هذا الصلح حرصا منه على إبقاء الدين الإسلامي لان نظام الردة بعد الخلافة الراشدة سن فرمانا نص بهجر القرآن وبغض عترة النبي وإنهائها بالتصفية الجسدية وهذا ما دعا الإمام الحسن (ع) لعقد الصلح، وثورة الحسين جاءت متممة لصلح الإمام الحسن لأن تصريح الإمام الحسين كان واضحا (إني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لأجل الإصلاح في امة جدي رسول الله )، وأراد أن يؤكد على نص جدي رسول الله لأنه يحمل إرثا ثقيلا يجب تثبيت أركانه وهي منهجية الرسالة المحمدية ولا يمكن لغيره أن يحمله ويتحمله، فاختير الثنائي المقدس الحسين وزينب من الله عز وجل لحمل هذه المهمة الإلهية وهذا ما ورد كما قلت سابقا في مسند احمد بهبوط الأمين جبرائيل على النبي يوم ولادة السيدة زينب وإعلامه بهذه المهمة لهذين الوليدين...

ولكن كما ذكرت أن مرجعيات الضلال التي تتحدث بالدين والمبادئ والقيم والتي تجتمع على نشر ثقافة الحقد والبغض والكراهية وبث سموم الطائفية التي تتنكر لكافة الأديان السماوية وتكفِّر الآخرين وتهدر دمائهم دون ذنب بحماقات متنوعة تنتشر في كل بقاع المعمورة هدفها وغايتها تصب في تغذية عقدة تدعو إلى دفن كل فضيلة لأهل البيت(ع).

 

36ـ ما أثر البطالة على الفرد والمجتمع؟

ج:

البطالة هي نشر الفساد والانحراف في المجتمع من قبل الأفراد الذين لا عمل لديهم وهذا ما ينتج مجتمعا مفككا ومهددا.

 

37ـ هل تمتلك دولنا مقومات القضاء على البطالة؟

ج:

دولنا تمتلك كل مقومات القضاء على البطالة.. الدولة تحتاج إلى قانون حقيقي يثبت حقوق أفراد الشعب وواجباتهم.. ودولنا تمتلك الخيرات الواسعة التي منّ الله تعالى عليها دون سواها وجعل حاجة العالم كله لخيراتها ولكن ابتعادنا عن كتاب الله وعدم إخلاصنا في صنع حكومات تخدم الأمة والمجتمع خدمة حقيقية وتهميش الأنظمة والقوانين وصنع قوانين مزاجية تسن وفق رغبة المتحكمين على الناس، جعل القوى الكبرى في العالم تهمشنا وتستولي على خيراتنا من خلال تلك الحكومات التي ترضيها بالحكم وقهر المجتمع وتراوغ مع الشعوب بأنها ستصنع لهم الديمقراطية والحرية والعيش الرغيد ولكنها بهذه وتلك هي تستولي على خيراتنا وتخدم مصالحها ومصالح شعوبها من خلال الاستيلاء على خيرات الأمة، فهنا يمكن لدولنا أن تصيغ قوانين تحقق طموحات المجتمع وتشارك كل الشرائح الاجتماعية في صياغة هذه القوانين وتستثمر هذه الخيرات وتوظف طاقات المجتمع وكوادره المتنوعة وبالتالي لا بطالة في مجتمعاتنا.

 

38ـ هل تمتلك مؤسساتنا الدينية سبيلا للحد من وجود البطالة... وكيف؟!

ج:

المؤسسة الدينية هي المرجعية العليا التي تعود إليها الحكومات وأفراد المجتمع وبالتالي لها التأثير الأكبر في صناعة الحكومات المخلصة ومن خلال هذه الحكومات تؤمن حقوق تشغيل كل الأيدي العاملة وتصبح عاملة ومنتجة فعلا.

في صدر الدولة الإسلامية بعهد الرسول (ص) والخلافة الراشدة كان الرسول(ص) وبعده الخليفة هو المرجع الأعلى.. ولكن بعد الخلافة الراشدة جاء النظام الأموي ليحطم هذه المرجعية سواء قبل ظهور المدارس الإسلامية أو بعد ظهورها، فحورب الأئمة المراجع من أهل البيت وتمت تصفيتهم تباعا، وبعد ظهور المدارس حورب أئمة هذه المدارس وهمشوا لعدم توافقهم مع السلطة وتمت تصفيتهم كالإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي والإمام احمد وصنعوا رجالات دين تسير على هواهم وهنا الطامة الكبرى أصبحت المؤسسة الدينية واحدة من مؤسسات السلطة لا حول لها ولا قوة، من هنا ابتعدت المؤسسة الدينية لمدرسة أهل البيت عن كافة السلطات في كل تلك المراحل وأخذت المنحى التوجيهي الشعبي إلى أن أتيحت لها الفرصة في العصر الحالي فأصبحت ملزمة أن تكون مؤسسة فاعلة وموجهة للسلطة وكلامها أصبح هو النافذ والمسموع من السلطة أو المجتمع بكافة طوائفه وشرائحه كما حصل في إيران واليوم في العراق..

المرجعية هي القيادة الروحية التي تنظم المجتمع وتوجه السلطة إلى النظام الإلهي فيركن الجميع تحت ناظمة الإله عز وجل.

 

39ـ كيف نتخذ هذا الرمز أو ذاك قدوة؟

ج:

قدوة العالم خاتم الأنبياء سيدنا محمد (ص) وصفه الله تعالى بخلقه العظيم (وإنك لعلى خلق عظيم) لرحمته وحلمه وصبره وحسن تدبيره.. من هنا كان هو وأهل بيته الأطهار قدوتنا الحسنة..

فعندما نقتدي برمز في مجتمعاتنا يجب أن نتلمس خلقه أولا وحكمته واستيعابه للآخر وحسن تدبيره ورحمته وقيادته للمجتمع قيادة صالحة بناءة. وبذا يصبح لنا قائدا وقدوة.

 

40ـ هل القدوة ضرورة؟

ج:

القدوة ضرورة جدا.. فلمَ اقتدينا بمحمد وآله عليه الصلاة والسلام ولم نرهم؟ فكانت هي الراحة النفسية والطمأنينة في الاستمرارية والمسيرة الحسنة.

 

41ـ كيف نقرأ القدوة والأسوة؟

ج:

هي المرجعية القوية والفاعلة والمؤثرة في النفوس المستمدة من قوة الله وفكر رسول الله وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام، مرجعية لها حول ولها قوة تطيع الله حق طاعته، مرجعية مخيرة لا مسيرة تقود الجماهير وتستوعبها بإرادة وحكمة يقتدى بها على هداية وإدراك وتفهم.

 

42ـ هل اتخاذ القدوة، شرك في الله أم منهج للوصول إلى الله تعالى؟

ج:

العلاقة بين العبد والرب زاوية قائمة محورها محمد وعترته الطاهرة عليهم الصلاة والسلام، والله عز وجل أكد بقوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين امنوا) وفي قوله (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) والخطاب موجه لسيدنا رسول الله (ص) ومن هو اقرب للنبي من أهل بيته الذي أكد على الالتزام بكتاب الله وبهم وضمن بالتمسك بهم طريق الرشاد والهداية وبمنهجهم لا نضل أبدا..

فمؤكد أن هذا الالتزام هو منهج للتقرب والوصول إلى الله تعالى وعكسه هو الشرك والعياذ بالله.

 

43ـ لماذا هذا التواجد الضخم لجيوش الفقراء والمعوزين في مجتمعاتنا؟

ج:

فقدان الرحمة في مجتمعاتنا للأسف وعدم توفر ظروف العمل من هنا تكثر البطالة والاستغلال للطاقات والكوادر فتهدر الأموال بغير أماكنها.

 

44ـ ما تأثير الفقر على الفرد والمجتمع؟

ج:

هنا يحضرني قول للإمام علي (ع) لو كان الفقر رجلا لقتلته فالفقر يؤدي إلى ضياع الفرد وتفكك المجتمع.

 

45ـ ألا ترى أن هناك تضييعا لكرامة الفقير في بعض المؤسسات التي ترعى وتدعم الفقراء؟

ج:

طبعا عندما توضع الأموال التي خصصها الدين كالزكاة والخمس بأيادي غير أمينة سيؤدي إلى عدم توزيعها بشكل غير منصف لان اغلبها ستذهب لمن لا يستحقها بسبب اللا أمانة في سلوكية بعض من اؤتمن على هذه الأموال. وهذا ما يحصل للأسف في اغلب المؤسسات التي ترعى شؤون الفقراء والمعوزين. ولكن خطابنا المباشر إلى مرجعياتنا التي نجلها ونحترمها بالتخطيط في صرف هذه الأموال وهي أموال لا يستهان بها فقد تضاهي ميزانيات دول أحيانا بفتح مشاريع استثمارية واقتصادية يتم من خلالها توظيف الفقراء والمعوزين واستثمار طاقاتهم وكل من تراهم أحق بالمساعدة،  وبالتالي نحفظ كرامة الإنسان فبدلا من أن يأتي لاستلام مساعدة يعمل ويكسب فيفيد ويستفيد، لأن هذه الأموال مال الحق العام وحق الإمام وهذا بحث يطول النقاش به ولكن الذي نريد هو أن نوصل هذا الصوت لمن يهمه الأمر حفاظا على كرامة الناس لان هذه الأموال يجب أن تعطى لمستحقيها دون منّة من احد وهذا ما سار عليه أئمتنا الأطهار عليهم السلام حيث كانوا يوصلون الأموال إلى بيوت الناس حفظا لكرامة الإنسان.

 

46ـ كم تعتقد من الأعمال الخيرية التي تساعد الفقراء وتستهدف إبراز الذات المتبرعة وشهرتها؟!

ج:

كثيرة لا تعد ولا تحصى ولو أردت الدخول بهذا الباب لاحتجت إلى أكثر من حلقة للإعلان عنها...

 

بيت النجمة المحمدية
www.al-najma.org